سفير ايران السابق: الجمود في سورية بحاجة إلى استراتيجية جديدة

0

سنان حواط

* حسين ملائك سفير ايران السابق في الصين يكتب في مقالة للدبلوماسي الإيراني:

من أجل السلام أو أي شكل من أشكال وقف اطلاق النار لابد من تغيير الهيكلية السياسية في سورية على المدى البعيد. لابد من إعادة تعريف جبهة النصرة وقوى التغيير السورية في هذه الهيكلية.
من الثامن عشر من آذار عام 2011 ومع بداية صراع حكومة بشار الأسد مع المعارضين في مدينة درعا والتي أدت لقتل أربعة أفراد وحتى اليوم مرت على سورية مراحل متعددة.
في تشرين الأول عام 2011 استخدمت الصين وروسيا حق الفيتو ضد مشروع قرار مقترح من الإتحاد الأوربي في مجلس الأمن لمعاقبة سورية. واضعة بالحسبان استغلال الغرب للوضع المشابه في ليبيا سعت هاتان الدولتان إلى حرمان الغرب من امتلاك الأداة القانونية للتدخل. ولكن هذا الإجراء لم يمنع من انتشار المعارضة في سورية ولا من تدخل السعودية وقطر وتركيا في شؤون سورية، كما أنه في عام 2011 استغلت المملكة السعودية موقعها في الجامعة العربية لتعليق عضوية سورية وفرض عقوبات عليها.
في أواخر عام 2012 احتلت قوى حزب الله منطقة القصير في منطقة الحدود الشمالية بين سورية ولبنان لمنع تواجد وانتشار القوى التكفيرية وعملت على الدخول في الحرب بشكل جدي. بالطبع تم الإعلان عن الحضور الرسمي لحزب الله للدفاع عن حكومة الأسد في أوائل نيسان عام 2012 عن طريق السيد حسن نصر الله.
كان عام 2013 مليئاً بالتحولات. في شهر آذار في ذاك العام قامت داعش باحتلال إحدى المدن الكبيرة الآهلة بالسكان وهي الرقة، وبعد ستة أشهر في أيلول 2013 وبعد مرور مراحل متعددة بما فيها التهديد العسكري والمحادثات المتعددة الجهات، قبلت الدولة السورية بالتخلي عن السلاح الكيماوي بوساطة روسية.
كان وضع سورية يزداد سوءاً، وكانت دمشق مهددة بالسقوط على الرغم من وجود المقاومة والقوى المتحالفة مع الجيش السوري. من ناحية السيطرة على الأرض فقدت الحكومة المركزية 60% من أراضي البلاد ومن ناحية السكان 50% من السكان باتوا بلا حكومة، وخمسة ملايين سوري شردوا وغادروا حدود بلادهم. بالطبع، في ذات الوقت، لم يتوقع أي من المحللين الواقعيين انتصار أي طرف على الآخر.

عام 2014 أصبح حضور القوات الاستشارية الإيرانية في سورية أكثر وضوحاً، وهذا ساعد كثيراً حيث استفادت العديد من المواضع الدفاعية للدولة من القدرات الإضافية في مواجهة القوى المعارضة. بكل حال لم تستطع هذه القوى من أن تحدد مسار المعركة بشكل حاسم. وصلنا إلى طريق مسدود يستمر فيه النزيف البشري دون أي إنجاز سياسي.
في عالم 2015 تغييرت الظروف بشكل جدي، حيث بدأت روسيا في شهر أيلول في ذاك العام بعمليات جوية واسعة على القوى المعارضة بعد استكمال تواجدها العسكري في سورية في مقابل داعش والقوى الإرهابية والتي تستفيد من أفراد من التبعية الروسية في عملياتها.
استطاع التدخل العسكري الروسي كسر الجمود العسكري والسياسي في سورية. في المرحلة الأولى تم إنهاء الجمود الناتج عن الأمل بإخراج بشار الأسد عن السلطة، وتم تثبيت دور الحكومة السورية كطرف في المفاوضات.
في المرحلة الثانية استطاعت قوى الحكومة التقدم في أماكن عديدة حول دمشق وشمال اللاذقية وجنوب وشمال حلب بما فيها تحرير مدينتي نبل والزهراء واسترجاع المناطق حتى مدينة تدمر.
بدأ التخطيط للمفاوضات السياسية برآسة السيد ديمستورا في فينا، وفي 10 كانون الأول 2015 صدر القرار 2254 من مجلس الأمن والذي أيّد خارطة الطريق الهادفة لإيجاد حل سياسي لإنهاء الصراع في سورية في غضون سنتين. وفي 22 كانون الأول صدر القرار 2258 الهادف لإيصال المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة. في 27 من شهر شباط عام 2016 أعلنت روسيا وأمريكا وقف إطلاق النار في سورية، وفيما بعد صدر القرار 2268 من مجلس الأمن والذي أيد الخطوات المطبقة واعتبر روسيا وأمريكا راعيتين للعملية السياسية والخطوات المقبلة.
يلعب استرجاع حلب في استراتيجبة قوى الحكومة السورية دوراً هاماً لتغيير التوازن القائم في الساحة السورية. ولكن هذا الهدف لم يتحقق واستطاعت القوى المعارضة تقوية قدراتها بمساعدة تركيا والسعودية.
عدم النجاح في حلب أوصل الظروف العسكرية إلى طريق مسدود جديد ناتج عن توازن القوى العسكري للطرفين المتصارعين.

عوارض الطريق المسدود الجديد يمكن تصنيفها كالتالي:
1 – عزم الدول العربية وتركيا على دعم كافة المجموعات المعارضة تقريباً، الكبيرة والصغيرة، بالسلاح.
2 – حضور ودور أكبر للجيش الأمريكي في الساحة العسكرية السورية ودعمها المباشر للمجموعات المعارضة وفق ما تراه مناسباً.
3 – إدراك أمريكا أهمية جبهة النصرة (ملاحظةً التحالف المتزايد بين المجموعات المسلحة وجبهة النصرة) كطرف مواجه للدولة السورية، ورفض منح التسهيلات الدولية اللازمة لهزيمة تلك الجبهة بواسطة الدولة السورية وروسيا، والعمل إلى حد ما على إضعاف قرارات الأمم المتحدة بهذا الخصوص.
4 – الأكثر أهمية هو الضعف الكمي والكيفي الواضح للقوى الميدانية الداعمة للحكومة السورية على الرغم من وجود التغطية الجوية، ومن تواجد المتطوعين الروس الذين يعملون على تغيير الموازنة في ساحة المعركة.

كانت العمليات الدائرة حول أطراف حلب تسير وفق هذا النحو حيث خسارة وكسب المناطق تسبب خسارة كبيرة بالأرواح مما يضعف إمكانية سيطرة الحكومة السورية العسكرية والسياسية على هذه المدينة.
بشكل عام يمكن القول أن هناك استقطاباً كبيراً في الحرب السورية على الساحة الدولية، ويمكن تسمية معارضي الحكومة السورية -فيما عدا داعش- بالإئتلاف الغربي.
استطاع هذا الإئتلاف على الرغم من الهزائم الكبيرة نسبياً أن يبني نفسه بالشروط الموجودة، ليصبح بحالة تعادل في مقابل إئتلاف الدولة السورية.
أهداف كلا الإئتلافين واضحة، فإئتلاف الغرب يسعي لتغير النظام في سورية والآخر يقاتل للبقاء.
الإئتلاف الغربي يرى في أن عامل الزمن في مصلحته. تصرف أمريكا كان مشابهاً فيما يتعلق بمسائل العراق وسورية حيث كان تصرفها يظهر الصبر لإيجاد استراتيجية يمكن الإستفادة منها. السيد أوباما الذي لا يتصور نهاية الحرب السورية خلال أشهر حكمه الأخيرة يحاول أيضاً الإبقاء على الوضع الراهن.
لدى أمريكا سياسة ثابتة تقريباً تهدف إلى إضعاف داعش واسترجاع الرقة عن طريق المجموعات التي تدعمها. وبهذا استطاعت أمريكا إزعاج تركيا بجعل الأكراد يسطرون بشكل كبير على القوات الديمقراطية السورية. ولكن الجدير بالذكر هو توقف سعي القوات السورية للحصول على امتياز التواجد إلى جانب جزء من خطط أمريكا لاسترجاع الرقة.
الأمر المهم هو أن هناك تطابقاً كاملاً تقريباً بين الأهداف الديبلوماسية والعسكرية لروسيا، لذا فالخسارة بالنسبة لروسيا هي أمر غير مقبول. لابد لروسيا أن تنتصر بشكل نسبي من أجل التوازن مع الغرب في المرحلة الجديدة. هذا الأمر ينطبق أيضاً نسبياً على وضع إيران.
لاشك أن لا أحد يستطيع أن يوافق على استراتيجية الدمار وانعدام النظر للمعارضة في سورية، فالأوضاع الحالية تظهر أن استمرار الأعمال القتالية هي استنزافي لا طائل منها، يزيد الكلفة البشرية والدمار للبنية التحتية، مما يجعل الظروف أصعب للدولة السورية والإئتلاف من وجهة النظر الدولية.
من الواضح أن السلام أو أي شكل من أشكال وقف إطلاق النار بعيد المدى يتطلب تغيير البناء السياسي السوري، والذي يجب أن يعرف فيه دور جبهة النصرة والقوات الديموقراطية السورية.
بدون هذا التغییر سيصبح الحضور الدائم للجيش الروسي المستبعد حالياً وارداً في الإستراتيجية الروسية.

للخروج من هذا الطريق المسدود الحالي يمكن طرح حلين:
الأول عسكري:
في الساحة العسكرية يستطيع الحضور البري الروسي في ساحة المعركة من إخلال التوازن لمصلحة إئتلاف الدولة السورية نسبياً ، وهذا أيضاً قد يؤدي إلى استرجاع حلب. بالطبع يتواجد المقاتلون الروس اليوم في أرض المعركة، ولكن على ما يبدو ليس إلى الحد الكافي لتغيير توازن القوى العسكرية. هذا الموضوع مرتبط أيضاً بالمخاطر الكبيرة المتعلقة بالعلاقة الروسية مع أمريكا وأوربا.
الثاني سياسي:
نظرياً، الحروب التي يلعب فيها أطراف مختلفة بما فيها عناصر قومية وطائفية متنوعة والتي يسقط فيها الكثير من القتلى تكون ليس فقط صعبة الخمود بل أيضاً يصبح الجمع بين طرفين في حيز مكاني واحد بلا معنى إن حصل أصلاً. في هذه الحالات تصبح التحالفات قليلة العمق والعمر، لذا فبالإمكان مع الأخذ بعين الإعتبار الظروف الدولية المتحكمة بالإخوان المسلمين الوصول إلى تفاهمات قادرة على التغيير في شروط الحرب الحالية.

المصدر : السوري الجديد

Comments are closed.