طوفان الإرهاب.. الأدوات والدلالات

0

رضوان السيد

انصرفت جهات مختصة بالشؤون الإنسانية إلى إحصاء ضحايا وأضرار الهجمات في الأيام الأخيرة، بينما انصرفت جهات أخرى ذات اهتمامات أمنية واستراتيجية، إلى استكشاف الأسباب والأهداف. والأمران شديدا الأهمية، بيد أنّ الدلالات تظل بارزةً ويمكن من طريقها الاستنتاج ووضع تقديرات للمستقبل القريب. أولى دلالات الهجمات الإرهابية بالانتحاريين والسيارات المفخخة، أنّ الإرهابيين لا يزالون قادرين على الإيذاء إلى أقصى الحدود. فهناك من يذهب عند التماس الدوافع إلى أنّ الإرهابيين متضايقون جداً ولذلك تعمدوا الإيذاء أكثر، وفي صفوف المدنيين والأهداف السهلة. وهذا صحيح، لكنّ الصحيح أيضاً أنه رغم مواجهتهم في العراق وسوريا فإنهم لا يزالون قادرين على القيام بهجمات أو تنظيم هجمات بالواسطة. فإذا كان مهماً جداً متابعة ملاحقتهم، وإذا كان قتلهم أو اعتقالهم هدفاً ذا أولوية، فالصحيح أيضاً أنه لا بد من التماس وسائل صارمة للحدّ من قدراتهم على القتل والإيذاء، وهو ما لم يحصل حتى الآن.

وثانية دلالات تلك الهجمات أنّ الإرهابيين وسّعوا أهدافهم وطوّروا أساليبهم. وبذلك فهم في سباق مع أجهزة الأمن والاستخبارات سواء من الناحية التقنية أو من الناحية الواقعية أو التوقعية، وهذا يعني أنّ الإرهابيين استطاعوا التفجير أو المحاولة في أماكن ما جرى توقعها من قبل، ولكي تتمكن الأجهزة الأمنية من المتابعة والاقتصاص، فلا بد أن يترافق الوعي الأمني، مع وعي اجتماعي يمكن له بالتنبُّه والاستعداد أن يعين الأجهزة الأمنية كثيراً، وأن يكفّ من غرب هذا العنف الذي يستعصي أحياناً على التصور.

وثالثة تلك الدلالات أنّ الإرهاب ضرب ويضرب في أماكن ومواطن ما ضربها من قبل مثل مطار أتاتورك، ومثل المسجد النبوي في المدينة المنورة. وكان النصف الأول من العام الحالي قد شهد بالتدريج تردياً في العلاقة بين «داعش» وتركيا، بحيث اتهمت تركيا هذا التنظيم ببعض العمليات في السابق. وهذا يعني أنّ «داعش» يريد الآن إيذاء تركيا أكثر بكثير مما فعله من قبل. ويكون على تركيا حسم الأمر والقول بقتال «داعش» دون هوادة. كما يكون عليها إعطاء ذلك أولوية، بدلاً من حصر أولوياتها بقتال حزب العمال الكردستاني. والوقت الآن هو وقت التضامن والتعاون وليس وقت المحاسبة، وإلاّ فيمكن السؤال لتركيا ولغيرها (مثل النظام السوري والإيرانيين) عن هذا النمو غير المعقول لـ«داعش»، وليس بالداخل فقط، بل وبالإتيان جيئةً وذهاباً من ناحية تركيا، ومن ناحية النظام السوري، ومن ناحية روسيا الاتحادية. كل هذه الجهات أرادت وتريد اتقاء الشر، ولا تحب تهمتي معاونة داعش، أو حتى اختراقها لصالحها. وأظن أنّ ذلك لا ينطبق على تركيا فقط، بل وعلى إيران و«حزب الله» وروسيا.. والولايات المتحدة. أوباما قال في مقابلته مع مجلة «تلاتنيك»: كيف كان يمكن الخلاص من المالكي لولا «داعش»؟! والمعروف أن النظام السوري أطلق عام 2012 ألفاً وخمسمئة من الإرهابيين، ذهبوا رأساً إلى «النصرة» و«داعش» عندما كان هؤلاء موحَّدين وبعد ذلك. والاختراقات التي أقول بها قد يكون القصد منها اتقاء الشر، إنما قد يكون أيضاً الدفع للقيام بهجمات ضد جهات معينة. ولذا فإنّ «حزب الله» لا يهاجم «داعش»، بينما تقوم دعاية التنظيم على مهاجمة إيران والحزب، لكنّ ذلك لا يجد مصداقيةً له على الأرض، ولذا لا بد من خرط إيران بالفعل إذا أرادت حقاً مقاتلة «داعش» في سوريا والعراق، في الوقت الذي تتخلى فيه عن اكتساح الدول والمجتمعات بالتقسيم والتخريب.والدلالة الخامسة، ولها علاقةٌ بإيران أيضاً، فهذا النفاق المتمثل في الكلام الكثير عن مكافحة الإرهاب، والإصرار في الوقت نفسه على القيام بهجمات طائفية على المجتمعات والدول تدفع الشبان للالتحاق بالإرهابيين، لا يستقيم على الإطلاق. لا يمكن أن تكون هناك سياساتٌ باتجاهين متناقضين: التصويب على «داعش»، وإصابة المجتمعات المدنية من جانب التنظيمات المسلَّحة التي يقودها الحرس الثوري.

والدلالة السادسة والأخيرة أنَّ «القاعدة» ومن بعدها «الدواعش»، إنما يستهدفون بالدرجة الأولى مجتمعاتنا العربية، وليس المجتمعات الإيرانية أو التركية أو الروسية. فانتباهنا موجَّه إلى استيلاء «داعش» على الرقة والموصل، و«القاعدة» (= جبهة النصرة) على إدلب، لكنّ هناك أيضاً سواحل حضرموت باليمن، والتي تسيطر عليها تنظيمات تابعة لـ«القاعدة»، وقد أخرجت قوات التحالف والقوات الوطنية اليمنية «القاعدة» من المكلاّ قبل فترة، لكنها لا تزال تفجر هناك وهنالك. ولذا فإنّ أولويات الدول العربية صحيحة في مكافحة الإرهاب «القاعدي» و«الداعشي» قبل كل أحد. وبخاصة أنّ الإيرانيين و«حزب الله» و«الحوثيين» يعتمدون أحياناً أيضاً على هؤلاء في التفجير والتخريب.

فليتوقف كل تخمين، ولنضع نصب أعيننا نحن العرب ضرورة استئصال هذا الداء من ديننا ومجتمعاتنا.

المصدر : الاتحاد

Comments are closed.