روسيا.. حقوق القتل محفوظة

0

ثائر الزعزوع

عادت حالة التفاؤل إلى صفوف المعارضة السورية منذ أن أطلقت الفصائل الثورية والمعارضة ما أسمتها “ملحمة حلب الكبرى” في نسختها الثانية بعد أن كانت نجحت في نسختها الأولى في كسر الحصار نسبيا عن مدينة حلب، واعتبرت معركتها آنذاك بداية أوائل شهر أغسطس الماضي انقلابا جذريا في الموازين، قبل أن يعيد التدخل الروسي، ومن خلال القصف المتواصل والمجازر المتتالية، عقارب الساعة إلى الوراء، وأعيد فرض الحصار مع استمرار القصف بشكل أعنف هذه المرة.

وقد تمكنت فصائل الثوار وكتائب المعارضة أن تحقق في معركتها الحالية تقدما وتحرز انتصارات متوالية في ظل ضعف قوات النظام والميليشيات الموالية لها من جهة، وفي ظل وقوف موسكو موقف المتفرج على غير عادتها، ومراقبة الأمور دون أن تتدخل من جهة أخرى، بل إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض طلبا تقدمت به وزارة دفاعه يخول لها مواصلة الغارات الجوية على حلب، وترك الأمور تتطور لصالح قوات الثوار والمعارضة، حتى رفع بعض المراقبين سقف توقعاتهم ليقولوا إن هذه المعركة ستقلب الموازين في استعادة لما قالوه عن المعركة الأولى، إلا أن التوجس من عودة الروس للتدخل يسيطر على الموقف، وثمة حذر من أن موسكو إنما تكتفي بالمراقبة لتتمكن من الانقضاض على المقاتلين على الأرض، وهي ربما لن تتأخر في نصرة حليفها الذي بدأت أعراض الشك تتسرب إلى صفوف مقاتليه ووسائل إعلامه بعد هذا التأخر الروسي.

وإذا كانت حلب قد نجحت في تصدر المشهد السوري خلال الفترة الماضية، فإن مصيرها المعلق يبدو محيرا أكثر، وقد كفت الإدارة الأميركية بل وحتى القادة الأوروبيون عن مناقشة أحوال المدينة علانية، خاصة وأن واشنطن تبدو منشغلة أكثر بما يجري على الضفة الأخرى في أجواء مدينة الموصل العراقية التي تشير التوقعات إلى أن معركتها وإن طالت إلا أنها ستسفر عن طرد تنظيم داعش، وعلى واشنطن أن ترتب أوراقها وتستعد، كما أعلنت، لدحر داعش من مدينة الرقة التي بدأت عربات داعش بالوصول إليها تباعا محملة بقادة التنظيم الفارين من المعارك في الموصل ومحيطها، والذين لا تعيرهم موسكو بالمقابل أي اهتمام يذكر.

ولعله من المفيد ملاحظة أن ثمة تقاسم نفوذ واضحا بين الشريكين الرئيسين في الحدث السوري، فبينما تسعى واشنطن لكسب النقاط سياسيا وعسكريا من خلال القضاء على تنظيم داعش أو تحجيمه على الأقل، فإن ما يعني موسكو بالدرجة الأولى هو الاستمرار في تنفيذ مخططها في رسم حدود واضحة المعالم لخارطة سوريا الجديدة، وهي وإن تأخرت في التحليق في أجواء حلب لمساندة قوات النظام والميليشيات الطائفية المقاتلة إلى جانبها للحد من تقدم الثوار وفصائل المعارضة باتجاه مناطق حلب الغربية، إلا أنها بكل تأكيد تحتفظ بحقها في القصف في أكثر من مكان، تحديدا مناطق ريف دمشق وريف إدلب، والتي أنكرت مؤخرا قيام طيرانها الحربي بارتكاب مجزرة راح ضحيتها العشرات من أطفال المدارس في قرية حاس رغم التوثيق المدعم بالصور الذي قدمته منظمة اليونسيف.

وهو ما يجعل التوجس مما سيعقب عملية “تحرير” مدينة حلب في حال حدوثها، كبيرا إذ أن موسكو قد تبدأ على الفور حرب تدمير شاملة وهي التي أسقطـت كليا حسابات الحل السياسي وأكدت أن الفكرة برمتها لم تعد مطروحة على الطاولة، وأن الأرض فقط هي الفيصل، وهي لن تقبل خسارة ما تعتبره “انتصارا” حتى الآن، خاصة في ظل عجز المجتمع الدولي عن لجم غطرستها واستفرادها بالقرار السوري.

في هذا المشهد غائب الملامح ما دام رأس النظام متشبثا بكرسيه وثمة من يدافع عنه، يظل مصير المدنيين المحاصرين في حلب، والذين يتجاوز عددهم 300 ألف، مجهولا فهم إما سيظلون محاصرين ينتظـرون قافلة إغاثـة لن تـأتي، وإما أن يتحولوا إلى ضحـايا جراء القصف الروسي السوري كما حدث في مرات سابقة، وقد تنتشر صور موتهـم لتشكل دليلا آخـر على أن هذا الجحيم السوري مازال مفتوحا على كل الاحتمالات.

المصدر : العرب

Comments are closed.