إبراهيم حميدي: خلافات عميقة بين النظام والمعارضة على المسودة الروسية لوقف النار

0

إبراهيم حميدي: الحياة

أظهرت أسابيع من المفاوضات غير المباشرة قادتها موسكو وأنقرة، عمق الخلافات بين دمشق وحلفائها من جهة وفصائل سورية معارضة وحلفائها من جهة أخرى، على مسودة روسية لوقف النار في سورية، ما دفع روسيا وتركيا أمس إلى إعلان ثنائي لوقف النار وقطع الطريق على تعديلات مستمرة قدمتها الحكومة السورية والمعارضة على المسودة ووضع الأطراف أمام استحقاقاتها استعداداً لعقد «حوار آستانة»، عاصمة كازاخستان، في الأسبوع الأخير من كانون الثاني (يناير) المقبل.

ونقلت «رويترز» أمس عن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن تركيا وروسيا أعدتا اتفاقاً لوقف النار في سورية. وقال أوغلو للصحافيين على هامش حفلة تسليم جوائز بالقصر الرئاسي بأنقرة: «هناك نصان جاهزان في شأن حل في سورية. أحدهما عن حل سياسي والآخر عن وقف لإطلاق النار. يمكن تنفيذهما في أي وقت». وأضاف أن المعارضة السورية لن تقبل أبداً ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة. وأوضح: «العالم بأسره يعلم أن من غير الممكن إحداث انتقال سياسي بوجود الأسد ونحن جميعاً نعلم كذلك أنه من المستحيل أن يلتف هؤلاء الناس حول الأسد».

وأوردت وكالة الأناضول التركية أمس، أن موسكو وأنقرة اتفقتا على اقتراح من أجل وقف النار في عموم سورية، لكن الكرملين قال إنه لا يمكنه التعليق على ذلك.

وبدأت المفاوضات غير المباشرة بين الأتراك والروس والحكومة السورية وفصائل المعارضة قبل حوالى أربعة أسابيع بدءاً من تسوية لإخراج المقاتلين وعائلاتهم من شرق حلب، حيث اجتمع ممثلون من الجيش والاستخبارات العسكرية في روسيا مع قادة وممثلي فصائل إسلامية معارضة بينها «أحرار الشام» و «جيش الإسلام» و «حركة نور الدين الزنكي» و «جيش المجاهدين» وشخصيات من «الجيش الحر».

وشكلت وثيقة روسية من حوالى أربع صفحات ضمت ١١ بنداً أساساً للتفاوض في أنقرة بين الجانب الروسي وفصائل المعارضة بحضور تركي من جهة وبين الجانب الروسي ودمشق وحلفائها من جهة أخرى. وتناولت المفاوضات مبادئ سياسية بينها «التأكيد على الحل الشامل للأزمة السورية وبدء العملية السياسية على أساس القرار ٢٢٥٤» و «احترام سيادة سورية ووحدة الأراضي السورية ووضع حد لإراقة الدماء» و «تحقيق دولة مستقلة تمثل الشعب السوري بكامله»، قبل الخوض في معايير وآليات وقف النار في سورية الذي يتضمن التزام الموقعين، الحكومة وفصائل المعارضة، على وقف العمليات الهجومية بدءاً من موعد محدد، هو ليل الأربعاء – الخميس، بحسب الإعلان الروسي – التركي أمس، إضافة إلى تثبيت خط التماس بين الأطراف المتنازع عليها» بعد تبادل خرائط عن أماكن انتشار فصائل المعارضة الموقعة على الاتفاق والقوات النظامية وحلفائها.

وضمت عناصر المسودة الروسية، إبعاد الفصائل الموقعة على الاتفاق عن مناطق «جبهة فتح الشام» (جبهة النصرة سابقاً) وفق الخرائط المتفق عليها، مقابل «وقف الضربات الجوية» من الطيران الروسي والسوري، ثم الاتفاق على «آليات توثيق الخروقات لوقف النار ومراقبة التنفيذ وتثبيت نظام العقوبات على أي طرف يخرق الاتفاق».

بعد ذلك، وخلال مهلة محددة، يقوم الطرفان، الحكومة والمعارضة، بإجراءات بناء ثقة تشمل إخلاء الجرحى من مناطق المعارضة وإدخال مساعدات إنسانية ثم إقامة «مجال إنساني واقتصادي مشترك يتضمن حرية الشحن ونقل البضائع»، وقيام «مجالس محلية منتخبة من السكان بحيث تجري إدارتها من ضامني الاتفاق وهما روسيا وتركيا، بحيث تقوم هذه المجالس بإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها».

وبحسب المعلومات المتوافرة لـ «الحياة»، فإن التعديلات التي نقلها الجانب الروسي من دمشق وطهران، شملت نقاطاً لنزع «أي شرعية» عن فصائل المعارضة، بينها إزالة كلمة «منتخبة» لدى الحديث عن المجالس المحلية ومنع تبادل البضائع والشحن والاقتصار على تقديم المساعدات الإنسانية، إضافة إلى وصف الفصائل الموقعة بأنها «مجموعات مسلحة» وليست «فصائل معارضة»، الأمر الذي ردت عليه الفصائل بتسمية نفسها بأنها «مقاومة». كما تمسكت دمشق وطهران برفض الاعتراف بـ «أحرار الشام» و «جيش الإسلام» واعتبارهما تنظيمين «إرهابيين»، الأمر الذي لم توافق عليه موسكو في تغيير كبير لموقفها السابق.

في المقابل، ردت الفصائل بتقديم ورقة مضادة تضمنت ستة بنود، حصلت «الحياة» على نصها، بينها «وقف إطلاق النار وكل العمليات عدا قتال داعش»، من دون أي إشارة إلى «فتح الشام» (النصرة)، إضافة إلى أن ذلك تضمن التأكد على شمول وقف النار الغوطة الشرقية لدمشق ومنطقة وادي بردى والزبداني ومضايا وحي الوعر في حمص، باعتبار أن موسكو وافقت بداية ذلك على ذلك، ثم عادت وأبلغت الفصائل رفض الحكومة السورية وقف النار في ريف دمشق، وسط اعتقاد بأن دمشق وطهران تريدان «حسم» معركة المناطق بين العاصمة وحدود لبنان أولاً ثم الغوطة الشرقية ثانياً، قبل تسلّم الرئيس دونالد ترامب وتشكيل إدارته.

كما تضمنت تعديلات الفصائل، بحسب معلومات «الحياة»، أن تكون تركيا ضامنة لفصائل المعارضة وأن تكون روسيا ضامنة لـ «النظام وحلفائه» مع وقف القصف الجوي، في إشارة إلى ميليشيات مدعومة من إيران و «حزب الله»، إضافة إلى تعهد الأطراف الموقعة على الاتفاق «عدم كسب أراض» خلال وقف النار، على أن تبدأ عملية للانتقال السياسي خلال شهر من بدء سريان مفعوله، وشرط أن تقيم روسيا وتركيا آليات مراقبة للهدنة بموافقة الضامنين والطرفين السوريين. وأضيف بند سابع له علاقة بالمساعدات الإنسانية بموجب خطة روسية – تركية.

وكان عدم وجود آليات رقابة والرد على خروقات وقف النار أحد أسباب انهيار اتفاق وقف العمليات القتالية بين أميركا وروسيا في شباط (فبراير) وأيلول (سبتمبر) الماضيين.

وتضمنت مسودة الاتفاق أن تكون مدة وقف النار سنة قابلة للتجديد، ما كان بمثابة إطار زمني لتحقيق تقدم في العملية السياسية بعد إطلاقها في آستانة نهاية الشهر المقبل. لكن لا يزال أمام ذلك كثير من التحديات بينها مدى التزام القوات الحكومية وحلفائها من جهة وفصائل المعارضة الإسلامية والمعتدلة من جهة ثانية، وقدرة روسيا وتركيا على إلزام حلفائهما السوريين بإعلان وقف النار، واتفاق الطرفين على قائمة المدعوين من عسكر وسياسيين، إضافة إلى رغبة دول وقوى معارضة بضرورة عدم حصول تطورات دراماتيكية قبل تسلّم ترامب مهمات منصبه.

ويجري المنسق العام لـ «الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة رياض حجاب في أنقرة اليوم، محادثات مع مسؤولين أتراك، إضافة إلى لقاء ممثلي فصائل عسكرية وسياسية، لبحث وقف النار و «حوار آستانة» لمعرفة جدول أعمال الحوار السوري – السوري وإطاره الزمني والأطراف المشاركة والضامنة، على أن تعقد «الهيئة» اجتماعاً لهيئتها السياسية في الرياض في العاشر من الشهر المقبل لاتخاذ قرار نهائي من «حوار آستانة».

ولم يعد ٨ شباط (فبراير) موعداً ملزماً لاستئناف مفاوضات جنيف بين ممثلي الحكومة والمعارضة بموجب ما كان أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، لكن الاتصالات قائمة بين فريق المبعوث وموسكو لبحث كيفية تحقيق تقدم في «حوار آستانة»، خصوصاً ما يتعلق بالانتقال السياسي واستئناف مفاوضات جنيف لدى توافر أرضية لتحقيق اختراق على عكس جولات تفاوضية سابقة جرت في بداية ٢٠١٤ و٢٠١٦.

وأبلغت موسكو محاوريها أنها وضعت على جدول أعمال «حوار آستانة» بنوداً بينها وقف النار والمساعدات الإنسانية والعملية السياسية بموجب القرار ٢٢٥٤. وبرز في أروقة موسكو اقتراحان للحل السياسي، أحدهما يقوم على تعيين الرئيس بشار الأسد خمسة أو ثلاثة نواب له أو تشكيل مجلس رئاسي بموجب الدستور الراهن على أساس ضرورة عدم حصول فراغ دستور. لكن دولاً فاعلة أخرى شددت على أهمية الحديث عن «انتقال سياسي جوهري» بما يتضمن وضع «صلاحيات الرئيس» على مائدة المفاوضات سواء لدى بحث خيار نواب الرئيس أو خيار تشكيل حكومة وحدة تمثيلية بموجب برنامج القرار ٢٢٥٤.

وفي موسكو (رويترز) قالت وزارة الخارجية الروسية الأربعاء إن مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا يدعم جهود روسيا وتركيا وإيران لمحاولة التوصل إلى وقف للنار في سورية وترتيب محادثات جديدة للسلام تستضيفها كازاخستان. وأضافت الوزارة أن دي ميستورا تحدث هاتفياً إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

Comments are closed.