مائدة يتغذى عليها «داعش»

0

سليمان جودة

أُصدّق الدكتور شوقي علام، مفتي مصر، عندما يقول إن دار الإفتاء المصرية هي العدو اللدود لتنظيم داعش الإرهابي، وأُصدّق الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، عندما يقول، بالتوازي مع المفتي، إن لدى وزارة الدفاع التي يترأس هو هيئة أركانها المشتركة، خطة جديدة تتجاوز حدود سوريا والعراق، لأنها تتعامل مع خطر للتنظيم يتخطى حدود المنطقة.
أُصدّقهما، ثم أقول: إن الظاهر أمامنا ينطق بأن جدوى العمل ضد «داعش»، ترتبط بأشياء أخرى، ليس من بينها، فيما يبدو، أن تكون الخطة الأميركية خطة جديدة، ولا من بينها أن ترى دار إفتاء مصر أنها تمثل العدو اللدود بالنسبة للتنظيم.
جدوى العمل ضده مرتبطة بالأساس بقدرة العالم؛ أميركياً، وعربياً، على تجفيف منابعه، وقطع الشرايين التي تغذيه في كل يوم، والتي تمده بأسباب الوجود في كل صباح، لأني أخشى أن يظل مفتي الديار المصرية يردد هذا الكلام، ويظل الجنرال دانفورد يتكلم عن خطة من عنده وراء خطة، ثم يظل «داعش» في الوقت ذاته مثل النهر الذي يجري نحو البحر؛ فلا النهر يجف، ولا البحر يمتلئ.
إن التنظيم الإرهابي يحيا على شيئين اثنين؛ أرض يقف عليها بالمعنى المجازي، لا المادي للأرض… ثم جداول من الماء، بالمعنى المجازي أيضاً للجداول، لا المادي، تصب في هذه الأرض، وتمنحه الحياة كلما تصورنا أنه قضى وانتهى.
أما الأرض التي أقصدها، فهي تخصنا عربياً، أكثر ربما مما تخص طرفاً آخر، لأنها تتصل بكتاب «إدارة التوحش» الذي يشرب منه «داعش» أفكاره، ويسقيها لغيره ممن تغريه هذه الأفكار فيقتنع بها بين الشباب. الكتاب يدور حوله كلام كثير منذ ظهر التنظيم على وجه الأرض، وهو كتاب منسوب في تأليفه إلى شخص اسمه أبو بكر ناجي، ومن الواضح أن الأفكار الواردة فيه تجتذب شباباً حول العالم، رغم شذوذها، ورغم أنها غير مقبولة من أي طبيعة إنسانية سوية.
إن الكتاب يقوم على أساس فكرة العداء مع العالم، وعلى أن التوحش من جانب أعضاء التنظيم في التعامل معه، يأتي على قدر حجم الظلم الواقع على يد أقوياء هذا العالم في حق ضعفائه، ولا يمكن لفكرة مثلها أن تجتذب الآخرين إليها، خصوصاً الشباب، إلا إذا كانت تقوم على أسانيد مقنعة، وليس من الممكن مواجهتها كفكرة خاطئة، إلا بفكرة مقابلة مُصححة. وبمعنى آخر، لا يمكن هز هذه الأرض التي يقف عليها من تحت أقدامه، إلا بكتاب يتولى أفكار كتابه، فيهدمها فكرة تلو فكرة… لا يمكن بغير ذلك… وهذا بالضبط هو المطلوب من دار إفتاء مصر، ومن الأزهر قبل دار الإفتاء… مطلوب كتاب عنوانه: دحض إدارة التوحش.. أو أي عنوان آخر بالطبع، فالمهم هنا ليس العنوان، ولكن ما سوف يأتي تحت العنوان. إن الهدف هو أن يكون هناك كتاب بهذا المعنى، وأن يكون موجوداً بكثرة على شبكة الإنترنت، وفي المكتبات، وفي وسائل الإعلام ذات التأثير، فإذا حدث ذلك، فإن كل شاب تحدثه ذاته بالأفكار الداعشية المدمرة، سوف يراجع على الأقل نفسه.
إنني أتذكر أن «الجماعة الإسلامية» في مصر كانت قد راجعت نفسها وأفكارها، في مطلع العقد الأول من هذا القرن، وأتذكر أنها كانت قد أصدرت كتاباً عن مراجعاتها اسمه: «المراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية»، وحين صدر في عام 2003، كان موضع جدل كبير، لأنه استطاع بالعقل، لا بغيره، أن يحطم كثيراً من الأسس التي كان أعضاء في الجماعة يعتمدون عليها في ممارسات العنف مع المجتمع… شيء من هذا نطلبه، ليس من «داعش»، لأنه لن يقوم به، وإنما من الذين عليهم أن يقاوموه بالفكر قبل السلاح.
وأما الجداول التي تمد أرض التنظيم بأسباب الحياة، فلا يجوز أن تكون غائبة عن الجنرال دانفورد، وهو يتكلم عن خطة جديدة، أو حتى عن خطة قديمة، وفي المقدمة من هذه الجداول، تأتي الطريقة التي تتعاطى بها إدارة الرئيس ترمب مع القضية الأم في المنطقة هذه الأيام… قضية حق أبناء فلسطين في أن يكون لهم وطن على أرضهم المغتصبة؛ وإلا… فما الجدوى التي ينتظرها الجنرال الأميركي، ومن ورائه العالم، من خطته الجديدة، إذا كان سيد البيت الأبيض يخرج على المعذبين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليقول إن حل الدولتين يمكن أن يكون له بديل، وأن هذا البديل هو حل الدولة الواحدة؟
أعرف أن ترمب أدرك مدى خطر هذا الطرح من جانب إدارته، وأعرف أنه عاد بعدها بأسبوع ليقول إنه يفضل حل الدولتين، ولكنه لا يمانع أي حل آخر يمكن أن يسعد الطرفين… أعرف هذا ويعرفه غيري، ولكن السؤال هو: منذ متى كان هناك حل سوى حل الدولتين؟! ومنذ متى كان هناك حل سواه يمكن أن يسعد طرفي القضية، أو بالأحرى يسعد طرفها الأصيل… صاحب الأرض وصاحب الحق؟
في اللحظة التي تتخلي فيها الإدارة الأميركية؛ أي إدارة، عن حل الدولتين باعتباره خياراً لا بديل عنه، فإنها لا تعيد القضية إلى مربعها الأول فقط؛ ولكنها تمنح التنظيم الداعشي قدرة مضافة على الحياة، وعلى اجتذاب آخرين إلى صفوفه.
«داعش» فكرة تموت بفكرة مُفندة، لا بغير ذلك، ثم إنه تنظيم يتغذى على عدم وفاء الولايات المتحدة للقيم الإنسانية التي أرساها آباؤها المؤسسون.

المصدر: الشرق الاوسط

Comments are closed.