الرقة: المعركة تقترب..و”داعش” يتجه نحو الشامية

0

تبدو صورة الرقة في هذه الآونة سيلاناً لحظياً من وقائع وأحداث لا تنقطع، فالقتال الدائر في أريافها الشرقية أخذ خلال الأسبوع الماضي صيغة كرّ وفرّ بين تنظيم “الدولة الإسلامية” و”قوات سوريا الديموقراطية”، فيما كانت الجبهتان الشمالية والغربية للتنظيم مع “قسد” مجمدة. طيران “التحالف الدولي” الذي لم يتوقف ساعة واحدة عن توجيه ضرباته لمواقع التنظيم ضمن قوس يمتد من شرقي المدينة إلى شمالها وشمالها الغربي، خلال الأيام الماضية، استهدف ليل الثلاثاء/الأربعاء، هدفاً متحركاً في دوار شارع تل أبيض، في قلب الرقة، لم تُعرف طبيعته، ما تسبب في وقوع ضحايا بين المدنيين.

وحاول العشرات من عناصر “داعش” المحليين الخروج من الرقة نحو قراهم في الريف الشرقي، الأمر الذي أحبطته مفارز التنظيم الأمنية شرقي المدينة. محاولة جاءت بالتزامن مع أخبار عن تفاوض بين وجهاء محليين في بلدة الكرامة في الريف الشرقي مع قيادة “قسد”، كان يفترض أن تُسلَّم البلدة بموجبه من دون قتال. أمر كان، لو تحقق، سيغير شكل ونتائج معركة الرقة. ويعود ذلك إلى وجود مؤسسين للتنظيم من القرية، ما يمكن أن يوسع الشرخ بين الأنصار المحليين والمهاجرين، ويفتح الباب أمام التسويات.

في المقابل، عمد التنظيم إلى تشديد إجراءاته الأمنية داخل المدينة واعتقل العشرات من عناصره، كما تشدد في مراقبة إجازات مرورهم وتنقلهم حتى داخل المدينة. وفي هذه الأثناء، ينقل مواطنون من مدينة الرقة ما رأوه من تحول الأجزاء الشرقية والشمالية الشرقية من المدينة؛ السكن الشبابي وحارة الرميلة، إلى منطقة قابلة للانفجار في أي لحظة، لكثرة الألغام التي زرعها التنظيم فيها. كما سُدت الطرقات في تلك الأحياء بالسواتر الترابية والخنادق، بما يشي بصعوبة المعركة البرية القادمة في أطرافها.

في موازاة ذلك، تحولت مدينة الرقة خلال الأيام القليلة الماضية إلى محور اهتمام محلي وإقليمي ودولي، بعدما بدأت تتكشف أطراف وحدود الصراع الدائر حولها، ورغبة الأطراف المتصارعة في تحويل الهزيمة المرتقبة لتنظيم “داعش” فيها إلى نصر عسكري حاسم، يصلح لاستثمار سياسي كبير وبعيد الأمد. وبينما جرى على الصعيد العسكري المباشر إبعاد تركيا وحلفائها المحليين، وحتى المجموعات العربية المنضوية تحت مظلة “قوات سوريا الديموقراطية” من عملية اقتحام الرقة الوشيكة، فقد اُستبعدت في الوقت ذاته التنظيمات السياسية والتعبيرات المدنية المحلية ذات الصلة بالعمل السياسي المعارض في المدينة من أي خطوات سياسية ومدنية موازية للعمل العسكري. وهكذا تبدو الصورة حتى الآن مكثفة في دور عسكري حصري للأكراد، تساندهم فيه قوة أميركية على الأرض، تصل تباعاً إلى خطوط القتال، وأدوار سياسية ومدنية تجميلية لموالين تختارهم “قسد” وفق برنامجها السياسي. هذا ما دفع ربما الطرف المقابل، القوى العربية المهمشة ومن ورائها تركيا، إلى عقد “المؤتمر العام للعشائر والقبائل السورية في منطقة الجزيرة والفرات”، الذي عُقد في مدينة أورفا التركية، الثلاثاء، وطرح هدف “تشكيل جيش عشائر منطقة الجزيرة والفرات يشرف عليه الضباط السوريون المنشقون عن النظام مع القيادات الثورية في الجيش الحر.. وجسم سياسي ينسق الأعمال العسكرية والسياسية والمدنية.. للمشاركة في عمليات تحرير منطقة الجزيرة والفرات”. وسيكون لهذا الجيش مراكز تدريب في تركيا قبل أن تنتقل بعد التحرير إلى سوريا، بحسب نص دعوة المؤتمر.

لكن التطورات المتسارعة في ريف حلب الشرقي خلال هذا الأسبوع، خاصة بعد سيطرة قوات النظام على بلدة الخفسة وتوجهها نحو محور دير حافر-مسكنة، قد تُضع القوى المشاركة في المؤتمر وحلفائها الأتراك، في موقف المتفرج، وتضع النظام في قلب معادلة الرقة إن نجح في طرد تنظيم “داعش” من مسكنة ودير حافر ثم التقدم شرقاً نحو الطبقة، أو إعادة محاولة التقدم نحو الطبقة ومطارها العسكري عبر ريف حماة وحمص الشرقي. وهي سيناريوهات لا يبدو أنها تجد معارضة من طرف الولايات المتحدة وأدواتها على الأرض في سوريا.

من جهتها، وبحسب معلومات من مصادر داخل تنظيم “داعش”، فإن قيادات كبيرة ومتوسطة في التنظيم، بدأت مغادرة أماكن سكنها داخل الرقة والتوجه نحو بادية الشام (الشامية) في الاصطلاح المحلي لسكان وادي الفرات. وتقول هذه المصادر إن قياديين في التنظيم “أجانب وسوريين بدأوا الترتيب لخروجهم من الرقة بشراء قطعان أغنام وسيارات نقل (تُسمى محلياً حصينية)، وغادرت عوائل بعضهم بالفعل نحو الشامية”. أمر كهذا يعني أن قيادات “داعش” تقر سلفاً بهزيمتها العسكرية الوشيكة داخل مدينة الرقة وتعد لمعركة مفتوحة في البادية السورية، ما يعني تحويل هذه المنطقة إلى تور بورا سوريِّة أو ربما تتحين لحظة سياسية مناسبة لنقل مشروعها وجهادييها إلى مكان آخر، خاصة ما توفره منطقة البادية من هامش واسع لتحرك سريع وغير قابل للضبط الكلي بين سوريا والأردن والعراق والسعودية. فقد يتلاشى التنظيم وتتجدد وظيفته.

المصدر : المدن

Comments are closed.