الاعلام المعارض يعيش أزمة خطاب تعكس مأزق الثورة

0

مدى سورية-أحمد مظهر سعدو

في آذار الجاري وبينما دخلت الثورة السورية عامها السابع لابد من نظرة موضوعية شفافة إلى واقع الإعلام السوري المعارض المتعدد والمتنوع والمصاب بأمراض واضحة للعيان، حيث تلفه العديد من المشاكل والإشكاليات، وتحيط به الكثير من الهموم والأمراض، والمعوقات التي أضحت حالة (يبدو وكأنها) مستعصية عن الحل، ضمن ظروف السوريين في بلاد النزوح واللجوء، وتثقل كاهل الإعلامي المندرج في سياق إعلام سوري معارض، مشوب بالدعم المالي للمانحين، ومتلطٍ على أبواب من يمسك بأتون قرارات التعيين والتوظيف.
ولعل بواعث كل ذلك تعود إلى عدة أمور، فيما لو أردنا تشخيصًا صريحًا وواضحًا للحالة الإعلامية برمتها: منها مسألة- المانحين وشروطهم: حيث معظم المنصات الإعلامية من مسموعة إلى مقروءة، وكذلك المرئية والإلكترونية، تعتمد بالأساس على مانحين أجانب لهم خياراتهم، ويعيثون فسادًا في الواقع السوري، لتكون الوسيلة الإعلامية أداة مستوفية للشروط، مهما كانت هذه الشروط مجحفة بحق سورية الوطن، وسورية المواطن، بحيث أن من يريد استمرار المانح في منحه، لابد له من أن يجيّر مشروعه الإعلامي، على هدى المانح وخططه المستقبلية، بالتالي الدخول في دهاليز الانفلات من الوطنية السورية، التي أضحت نهبًا للغادي والصادي. _التسلق على مهنة الإعلام: فقد أضحت مهنة من لا مهنة له، وبابًا واسعًا للارتزاق، والانخراط في الوسائل الإعلامية، دون النظر إلى الاختصاص أو الخبرة، ومعروف حجم التدخل في المهنة من قبل الكثيرين، سواء عبر الإمساك بالتمويل من بعض من لا يعرف بالعمل الإعلامي، وبالتالي لي عنق العملية الإعلامية، لتكون مجرد عمل تجاري يشبه (حسب البعض) أي مصنع للجرابات ليس إلا.
ناهيك عن تحول المنابر الإعلامية ومؤسساتها إلى مزارع للأقارب و(المثقفين) لتجد في كل مؤسسة حشدًا لا يستهان به من الأقارب والمحسوبيات، وأقارب الزوجة، وما شابه ذلك، علاوة على التجمعات المحلية المناطقية، بعيدًا عن السَّويّات العلمية للعمل الإعلامي. _كثرة المنصات الإعلامية: كثرت مؤخرًا المنصات والمؤسسات الإعلامية لدرجة غير مسبوقة، وغير معقولة، فعشرات الإذاعات، وعشرات المواقع الإلكترونية، في وقت لم تعد فيه أية إمكانية أصلًا لسماع الراديو في ظل وجود النت، ووسائل التواصل الاجتماعي المتوفرة بكثرة، حتى راح قائل يقول بأن هذا الراديو أو ذاك لا يسمعه إلا أهل المؤسسة والمقربين منهم، ومن له مصلحة مباشرة في هذا البرنامج أو ذاك. _التغول على بعض وسائل الإعلام:
هناك محاولات كثيرة منها ما نجح ومنها ما فشل، في عملية دخول مباشرة وهيمنة واضحة على بعض وسائل الإعلام، من بعض الإيديولوجيات أو أطراف المعارضة، ممن له أجنداته الحزبية حينًا والفكرية الخاصة حينًا آخر.
وهذا ينعكس بالضرورة على استقلالية المؤسسة الإعلامية، ويربك عمل الإعلاميين فيها أو أنه يلقي بالضرر على كل من لا يتوافق مع أجندات نظرية وايديولوجية للمتغوِّلين.
ولكن كيف يمكن تجاوز ذلك؟ هناك من يعتقد أن النقد المزدوج طريق للاستيعاب، وبالتالي إن لم تتواجد إدارات ديمقراطية غير استبدادية، لن يكون بالإمكان الخروج من عنق الزجاجة، كما أنه لابد من عدم الرضوخ بالكامل إلى شروط المانح، الذي يضع شروطه، بحيث يلجم أي عمل إعلامي حر، ويحيلنا إلى أماكن ليست من الحرية بمكان.
ومن ثم فإن الاعتماد على الكفاءات الحقيقية، بدون محسوبيات، هو الأهم من كل ذلك، وهو عين الصواب، ولب المسؤولية، فلا قدرة لمتسلق على الإعلام، أو قريب من الإدارة، على الإمساك بعمل إعلامي صحي وصحيح.
وأيضًا فإنه لم يعد مقبولًا أن يستمر بإدارة مؤسسات إعلامية مهمة، من ليس له علاقة بالعمل الإعلامي، الإدارة عمل فني إعلامي أولًا، وقبل أن تكون مجرد إدارة أو منصب.
وهذا في الواقع غيض من فيض لواقع إعلامي ممض في معظمه، ومتعثر وغير قادر (حتى الآن) على الإمساك بناصية إعلام يرتقي إلى مستوى ثورة الحرية والكرامة.
وقد شخص لنا الإعلامي صبحي دسوقي رئيس تحرير صحيفة (اشراق) حال الاعلام السوري المعارض بقوله ” عمل النظام الديكتاتوري على صنع إعلام مفصل وفق رغباته وغاياته، ومَّده بما يلزم لينجح في تأدية دوره كبوق يطبل ويسِّبح بحمده. سخَّر النظام كل الامكانيات اللازمة لدعم الاعلام من صحافة وإذاعة وتلفزة، وعيَّن القائمين عليها من بطانته وكان جَّلهم بترشيحات من قبل أجهزة المخابرات، وكان المستفيد الأكثر من يجاهر بولائه، وتقديس القائد والاشادة بدوره في حماية الوطن، واستبدل النظام المبدعين بأبواق تصفق له وتحمد إنجازاته. وغالبية المسؤولين عن الاعلام كانوا من العائلة الحاكمة حتى لو كانوا لا يفقهون بالإعلام ودوره شيئَّا، لأن هناك الكثير من المتسلقين والمنتفعين والمرتزقة الذين كانوا يساندون المسؤول ويكتبون باسمه. الانبطاحيون يستمرون في مناصبهم كتقدير لما قدموه من تسخير قدراتهم ومؤسساتهم لخدمة النظام وتلميع صوره. ”
وعن أوضاع إعلام المعارضة الآن قال ” اقتدت المعارضة بأساليب النظام، وتفوقت عليه، في بحثها عن أقدر الناس على تلميع صورتها والاشادة بإنجازاتها الخلبية، وقد فشلت المعارضة في إيجاد دائرة إعلامية متخصصة بنشر الخبر السوري ومعاناة السوريين احترافيًا؛ وفشلت بإيجاد إذاعة احترافية وقناة تلفزيونية قادرة على إيصال أهداف الثورة وآلام شعبنا إلى العالم وأثبتوا من خلال موقفهم أن العمل الإعلامي الاحترافي آخر اهتماماتهم؛ وقاموا بإبعاد المثقفين وتسوير كيانهم بجمهرة من ذوي القربى والمؤيدين والمصفقين. ويحضرني هنا مثال أن أحد المتنفذين بالمعارضة قام بالدعوة لحضور مؤتمر إعلامي في أفخم فنادق اسطنبول وبلغت كلفته أكثر من مئة ألف دولار، والمفارقة عدم دعوة أي إعلامي سوري واقتصر الحضور على أقربائه وأصدقائه والمقربين والقنوات التلفزيونية المختلفة كي يضمن استمرارية ظهوره عليها”.
أما الكاتب الصحافي عبد الرحيم خليفة فقد كان له رأيًا آخر حول واقع الاعلام حيث قال
“إشكاليات إعلام الثورة عديدة ومتشعبة، ويمكن القول إن أزمته اولًا أزمة خطاب تعكس أزمة ومأزق الثورة نفسها، نتيجة عجزها عن طرح خطاب وطني جامع، وانشاء مؤسسات تحظى بالسمعة الحسنة والنزاهة والحكمة. 
لقد ظل إعلام الثورة منفلشًا دون ضوابط، وعكس مواقف الأجندات والمشاريع السياسية المتصارعة، ما سمح بتعدد المفردات والعبارات والأهداف التي عكست طبيعة الهويات القاتلة، وما دون الوطنية دومًا.
يمكن تقسيم الخطاب الإعلامي في مجمله إلى مراحل، تبعًا لكل منعطف وتحول شهدته الثورة، فالذي كان في مرحلة السلمية كان بأبهى صوره واتزانه، وفي مرحلة العسكرة تحول إلى خطاب فئوي، طائفي، مذهبي، وهكذا.
الإشكاليات تبدأ بالارتجال و(الشعبوية) وتعدد المصادر والناطقين باسم الثورة والشعب السوري، وندرة وجود مؤسسة إعلامية (وكالة أنباء- تلفزيون- إذاعة- موقع- صحيفة) محترفة وذات كفاءة عالية وسريعة في نقل الخبر والتعليق على الحدث، وباللغات العالمية الحية التي تتقن مخاطبة الرأي العام، وفهم مزاجه وخصوصياته الثقافية والنفسية.
فشل إعلام الثورة في تمثل دوره وفقًا لمنطق العصر الذي نعيشه بصفته صانعًا للحدث، وللرأي العام، وليس ناقلًا له. بالطبع إن بعض الاضطراب له ما يبرره، ولكن كثيره ساهم في تعميق مأزق الثورة، ما يستدعي المراجعة الفورية والشاملة.
الثورة تعني إعلامًا رصينًا وليس (شاورما إعلامية) كما يصف حالنا أحد الكتاب الساخرين!

Comments are closed.